ابن عطية الأندلسي
438
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
على قوله : يَخْلُقُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 47 ] ، وقراءة النون عطف على قوله : نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ آل عمران : 44 ] . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى و الْكِتابَ هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب ، هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين ، وقال بعضهم : هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها ، وأما الْحِكْمَةَ ، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء ، في الشرعيات ، والمواعظ ، ونحو ذلك ، مما لم يوح إليهم في كتاب ولا بملك ، لكنهم يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه ، وقد عبر بعض العلماء عن الْحِكْمَةَ بأنها الإصابة في القول والعمل ، فذكر اللّه تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليه السلام الحكمة ، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثورا عمن تقدم عيسى من نبي وعالم ، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيئ غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك ، و التَّوْراةَ هي المنزلة على موسى عليه السلام ، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها ، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة ، موسى ويوشع بن نون وعزيز وعيسى عليهم السلام ، وذكر الْإِنْجِيلَ لمريم وهو ينزل - بعد - لأنه كان كتابا مذكورا عند الأنبياء والعلماء وأنه سينزل . وقوله : وَرَسُولًا حال معطوفة على وَيُعَلِّمُهُ إذ التقدير ، ومعلما الكتاب ، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله وَجِيهاً [ آل عمران : 45 ] ، ويحتمل أن يكون التقدير ، ويجعله رسولا ، وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ، مبينا حكم التوراة ونادبا إلى العمل بها ومحللا أشياء مما حرم فيها ، كالثروب ولحوم الإبل وأشياء من الحيتان والطير ، ومن أول القول لمريم إلى قوله إِسْرائِيلَ خطاب لمريم ، ومن قوله ، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إلى قوله مُسْتَقِيمٌ يحتمل أن يكون خطابا لمريم على معنى يكون من قوله لبني إسرائيل ، كيت وكيت ، ويكون في آخر الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره ، فجاء عيسى بني إسرائيل رسولا فقال لهم ما تقدم ذكره فلما أحس ويحتمل أن يكون المتروك مقدرا في صدر الكلام بعد قوله ، إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فيكون تقديره ، فجاء عيسى كما بشر اللّه رسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم ، ويكون قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخطاب لمريم ، والأول أظهر ، وقرأ جمهور الناس « أني قد جئتكم » بفتح الألف ، تقديره بأني وقرئ في الشاذ ، « إني قد جئتكم » ، وجمهور الناس قرءوا بآية على الإفراد وفي مصحف ابن مسعود « بآيات » وكذلك في قوله بعد هذا وجئتكم بآيات من ربكم واختلف القراء في فتح الألف وكسرها من قوله : أَنِّي أَخْلُقُ ، فقرأ نافع وجماعة من العلماء ، « إني » بكسر الألف ، وقرأ باقي السبعة وجماعة من العلماء ، « أني » بفتح الألف ، فوجه قراءة نافع ، إما القطع والاستئناف وإما أنه فسر الآية بقوله ، « إني » كما فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله ، خلقه من تراب إلى غير ذلك من الأمثلة ووجه قراءة الباقين البدل من آية ، كأنه قال : « وجئتكم بأني أخلق » ، وقيل : هي بدل من أَنِّي الأولى ، وهذا كله يتقارب في المعنى و أَخْلُقُ معناه ، أقدر وأهيئ بيدي ، ومن ذلك قول الشاعر [ زهير بن أبي سلمى ] : [ الكامل ] : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثمّ لا يفري وقوله لَكُمْ تقييد لقوله ، أَخْلُقُ لأنه يدل دلالة ما ، على أنه لم يرد الإيجاد من العدم ، ويصرح